ابن تيمية

19

مجموعة الفتاوى

عُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ الصِّيغَةَ مِن الطَّرَفَيْنِ . وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا ، إذْ الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى الْقَوَاعِدِ . وَإِلَّا فَالْكَلَامُ فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . فَمِنْ ذَلِكَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى مَسْجِدَهُ وَالْمُسْلِمُونَ بَنَوْا الْمَسَاجِدَ عَلَى عَهْدِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَداً أَنْ يَقُولَ : وَقَفْت هَذَا الْمَسْجِدَ وَلَا مَا يُشْبِهُ هَذَا اللَّفْظَ ؛ بَلْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِداً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ } فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِنَفْسِ بِنَائِهِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : { أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَى الْجَمَلَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ } وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْ ابْنِ عُمَرَ لَفْظُ قَبُولٍ . وَكَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى لَهُ ، فَيَكُونُ قَبْضُ الْهَدِيَّةِ قَبُولَهَا . وَلَمَّا نَحَرَ الْبَدَنَاتِ قَالَ : " { مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ } مَعَ إمْكَانِ قِسْمَتِهَا . فَكَانَ هَذَا إيجَاباً وَكَانَ الِاقْتِطَاعُ هُوَ الْقَبُولَ . وَكَانَ يُسْأَلُ فَيُعْطِي أَوْ يُعْطِي مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ فَيَقْبِضُ الْمُعْطَى . وَيَكُونُ الْإِعْطَاءُ هُوَ الْإِيجَابَ وَالْأَخْذُ هُوَ الْقَبُولُ : فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ جِدّاً ؛ وَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ الْآخِذِينَ بِلَفْظِ وَلَا يَلْتَزِمُ أَنْ يَتَلَفَّظَ لَهُمْ بِصِيغَةِ كَمَا فِي إعْطَائِهِ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلِلْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ . وَجَعَلَ إظْهَارَ الصِّفَاتِ فِي الْمَبِيعِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهَا بِاللَّفْظِ فِي مِثْلِ الْمُصَرَّاةِ وَنَحْوِهَا مِن المُدَلِّسَاتِ .